لمراجعة الحوار يمكن زيارة الروابط التالية، صفحة 12

http://www.al-watan.com/data/20080609/pdf/alwatan.pdf

http://www.al-watan.com/data/20080610/pdf/alwatan.pdf

 

 

حوار مع الدكتور سعيد الناجي

أسئلة النقد المسرحي العربي

أجرى الحوار: الأستاذ عبد الحق ميفراني

لجريدة الوطن  

قطر

 

 

·        دكتور سعيد الناجي ما هي معالم الخطاب النقدي المسرحي العربي والى أي حد يمكن الحديث عن نقد مسرحي بالمفرد؟

* يمكن القول إن المسرح العربي بدأ بداية نقدية قوية من خلال الخطبة التي ألقاها مارون النقاش قبل تقديم مسرحية البخيل التي تعتبر أول مسرحية حديثة في العالم العربي، وهي مقدمة تعبر عن تفكير قوي في الشكل المسرحي وفي أهمية وظيفته بالنسبة للمجتمع العربي. وخلال مسيرته، بقي المسرح العربي دائما مصاحبا بوعي نقدي قوي يبحث في موقع المسرح في المجتمع وديناميته في تحريك الأمة العربية. هكذا كان المسرح خلال عصر النهضة أسلوبا لاستعادة عروبة الأمة واستعادة تاريخها أمام البلقنة التركية خلال القرن التاسع عشر، وبعد ذلك أضحى أداة للنضال الثقافي والسياسي ضد الاستعمار. هذه الوضعية جعلت التفكير النقدي في المسرح ممارسة محايثة للظاهرة المسرحية، بل جعلتها أحيانا تتجاوز تلك الظاهرة وتراكماتها. هذا ما يمكن ملاحظته مثلا في أواسط القرن العشرين حين انطلق النقاش حول تأصيل المسرح العربي، حيث كان الخطاب النقدي متضخما إلى درجة تجاوز فيها المنجز المسرحي. ويمكن اعتبار هذا ملمحا عاما للنقد المسرحي العربي، يؤسس لما يشبه الهوة بينه وبين الممارسة المسرحية، حيث تحس أحيانا أن التواصل مفقود بين الناقد وبين المبدع. ولكن من جهة أخرى، تتعدد الأصوات النقدية كما تتعدد مشاربها، ولعل خصوصية المسرح أن الفعل النقدي فيه ليس فعلا بسيطا، أي ليس قراءة وإعمالا للمناهج والتحليلات، فالنقد المسرحي مهارة تكاد تصبح مهنة مثل المهن الفنية كالإخراج أو التمثيل أو غيرها. فالناقد متتبع للعرض المسرحي، منخرط في دينامية الإنتاج والتوزيع المسرحي بصيغة أو أخرى. الناقد كذلك مبدع مسرحي، كاتب أو مخرج أو ممثل، والنصوص النقدية التي يطلقها الكتاب والمخرجون هي من أهم النصوص النقدية التي تخرج من صلب الظاهرة المسرحية، وإن كنا نلاحظ ضمورا في هذا الصنف من النصوص في المسرح العربي.

كل هذا يثبت في النهاية أن النقد المسرحي يمتلك هوية متعددة، ويتشكل من خريطة من الأصوات داخل التجربة الواحدة، وداخل المرحلة الواحدة، أما إذا تكلمنا بمنطق تاريخي وتتبعنا تطور الخطاب النقدي المسرحي العربي فإننا سنجد تاريخا متشعبا من النصوص والتجارب والكتابات. ولكني أهتم بالإشارة إلى تنوع جديد أصبح يعرفه النقد المسرحي في العالم العربي، وهو خصوصية الصوت النقدي المغربي مقابل طبيعة الخطاب النقدي المشرقي أو الخطابات النقدية هناك. نتلمس في المغرب بوضوح الآن تفكيرا نقديا صارما ومتطورا في مقاربة الظاهرة المسرحية من جهة، وفي طرح الأسئلة العميقة حول وضعية الشكل المسرحي في الثقافة العربية.

·       تشكل سؤال النقد في المسرح أو السينما في مرحلة متأخرة لاحقة عن تشكل الممارسة المسرحية والسينمائية، في وقت لا زلنا نذكر كيف تعامل التفكير النقدي والى سنوات قريبة مع بعض المجالات الجمالية كالسينما مثلا التي اعتبرت ممارسة ثانية على المنجز النصي، لما في رأيكم تعود هذه التجليات؟

* ربما نسلم بهذا في السينما، حيث ما يزال النقد السينمائي كتابة ثانية حول المنجز الفيلمي، وحيث ما يزال هذا النقد لم يحقق تراكما نوعيا. ولكن في المسرح بقي النقد محايثا للظاهرة المسرحية. لقد ظهر المسرح في العالم العربي في لحظات تاريخية قوية وحرجة للغاية كان عنوانها الكبير هو الصدام الكبير بين الحضارة العربية والحضارة الغربية بكل مواصفاته خلال القرن التاسع عشر. ومن ثمة، لم يكن المسرح شكلا جماليا فقط، ولكنه كان تعبيرا سياسيا واجتماعيا يشكل مقاربة لوضع تاريخي محتقن. ولعل المسرح العربي ما يزال رهينا بهذه الوضعية الأنطولوجيةOntologique؛ ولكنه وبفضل هذا كان أول شكل تعبيري حديث في خريطة الكتابة الأدبية العربية، بل إنه كان الشكل الذي خلق الوعي بالحاجة إلى تحديث الأجناس الأخرى من شعر وسرد في نهاية القرن التاسع عشر. وعلينا أن نتذكر ان الكتابة المسرحية باعتبارها كتابة حديثة وجديدة في الأدب العربي سبقت حركة الإحياء الشعري، وبدايات القصة والرواية، وسبقت التحديث الشعري والنثري والكتابة الفلسفية الحديثة وغيرها... ولكن النقد المسرحي عرف تطورا كبيرا من حيث تجاوز المقاربة الإيديولوجية للظاهرة المسرحية. وأعتقد أن هذه التجليات هي طبيعية بالنظر إلى حداثة التجربة المسرحية في العالم العربي.

·       حضور المسرح في الدرس الأكاديمي، هل ساهم برأيكم في تقعيد ممارسة نقدية رصينة لأب الفنون  كما تفضلتم؟

* هذه مسألة أكيدة، فالدرس الأكاديمي المسرحي والمنهجي أفاد كثيرا النقد المسرحي العربي، وقاده إلى نوع من الوعي بضرورة ترشيد منهجي لمقاربة الظاهرة المسرحية، ولمقاربة الأسئلة المتعلقة بالوضعية الثقافية للمسرح العربي. ورغم أن هذا التقعيد كان بعيد المنال في بعض النقاشات والسجالات النقدية كما وقع في قضية تأصيل المسرح العربي وكما وقع في التنظير لبعض الاتجاهات المسرحية التي بقيت حبرا على ورق، وبدون أي خلفية فلسفية؛ فإن الدرس الأكاديمي فعل فعله، وقاد إلى طرح أسئلة حقيقية وعميقة حول المسرح. إن ما نتلمسه في مقاربات حسن المنيعي وحسن يوسفي وخالد أمين وعبد الله ابراهيم غلوم وبول شاوول وعمرو دوارة وماري إلياس وغيرهم هو نوع من الوعي المتجدد والمتسائل الذي لا يرتهن إلى أجوبة نهائية، كما نتلمس كذلك محاولات جريئة لإطلاق أنثربولوجيا المسرح العربي من أجل فهم جديد لتاريخ الفرجة عند العرب، ووضعياتها الثقافية، وتجاوز ذلك السؤال التقليدي الصمد الذي لا يتسرب إليه الشك: لماذا لم يعرف العرب مسرحا؟ وقد فوجئت مؤخرا في ندوة دولية حول "الطقوس والاحتفالات العربية" في الخرطوم أن عددا من نقاد المسرح العرب ما يزالون عند هذا السؤال ويكررون طرحه ويعاودونه دون تقدم. وفي تقديري، هذا ناشئ من غياب التواصل بين الأصوات النقدية بين المغرب والمشرق، واستمرار إهمال الصوت النقدي المغربي في المسرح، وعدم الإنصات إلى الجهود النقدية الشابة والجديدة التي يحبل بها النقد المسرحي في المغرب العربي برمته.

·       ولكن ألم يحدث هذا التقعيد المنهجي كما تسميه شرخا في النقد المسرحي ذاته؟ ألم يتفتق نقد جديد مقابل نقد قديم أو تقليدي إن شئت هذا التعبير؟

* أولا تحقق هذا التقعيد المنهجي بفضل العطاءات المنهجية والأنثربولوجية الغربية التي استلهمها الدرس الأكاديمي العربي، وذلك في النصف الثاني من القرن العشرين، وهي لحظة عرفت تأسيس النقد المسرحي في العالم العربي. لقد بدأ الخطاب النقدي المسرحي العربي يتشكل في المجال الطبيعي الذي ظهر فيه المسرح العربي وأقصد هنا الشام ومصر حيث ظهر المسرح بين لبنان، سوريا ومصر. وكان طبيعيا أن يواكب النقد المسرحي الظاهرة المسرحية الناشئة في هذا المجال الجغرافي من العالم العربي. ولكن إضافة نوعية سواء للمسرح العربي أو لنقده جاءت من مجالات جغرافية جديدة، وأقصد هنا الإضافة التي تحققت في أقصى العالم العربي شرقا أي في دول الخليج، وفي أقصاه غربا أي في المغرب العربي. هناك إضافة نوعية مهمة تتحقق الآن في المجهودات المسرحية في هذين المجالين الجغرافيين في الوقت الذي يعترف فيه المهتمون بأزمة المسرح الخانقة في مجاله التقليدي أي مصر والشام. لقد أصبحنا ملزمين بالحديث عن مسارين للمسرح العربي الأول تحقق في المجال التقليدي في مصر والشام مما يمكن اعتباره مركزا (تجاوزا) والثاني يتحقق في ما يمكن أن نسميه الهامش أي المغرب والمشرق أو أطراف العالم العربي.

·       إذن تنتهي إلى القول بوجود مسرحين عربيين؟

·       ليس إلى هذه الدرجة، ولكن مسارات تطور المسرح العربي في مصر والشام ليست هي نفسها في المغرب والمشرق، وما حققه المسرح من تراكم في المجال الأول ليس هو ما حققه في المجال الثاني، كما أن الأزمة التي يعاني منها في المجال الأول ليست بنفس وتيرة أزمته في المغرب والمشرق. وإذن علينا أن نميز قليلا بين وتائر المسرح في العالم العربي وبين وتائر نقده كذلك. إن كتابات حسن المنيعي ومحمد مديوني في المغرب العربي وابراهيم عبد الله غلوم في المشرق تمثيلا لا حصرا هي إضافة منهجية نوعية حقيقية ومشرفة للنقد المسرحي العربي منذ خطبة مارون النقاش التي أعتبرها أول خطاب نقدي مسرحي عربي. وحتى على صعيد البحث الجمالي التجريبي فإن حداثة التجربة المسرحية في المغرب والمشرق يتيح لها إمكانيات أكبر في تحقيق قفزات جمالية مهمة.

·       لعل هذه السمة هي ما يميز المسرح العربي عن المسارح الأخرى وبالأساس عن المسرح الأوروبي، أي أنه مسرح متعدد، أو مسارح متعددة بين أطراف العالم العربي ووسطه؟

* لا أميل إلى اعتبارها سمة مميزة للمسرح العربي، ولكني أقدر أننا لم ننتبه إليها بما يكفي من الاهتمام. كما لا أستطيع اعتبارها سمة تميز المسرح العربي عن باقي مسارح العالم. لاحظ أن المسرح الأوروبي شهد مسارا مشابها لما نتحدث عنه، فمنذ طلائع القرن العشرين بدأت تهب رياح التغيير والتجريب على المسرح الأوروبي الكلاسيكي، وبين نداءات الدادائية وفتوحات السريالية وتجربيبية التكعيبية والتوجهات المسرحية الأكثر تجريبية مع فيلار، برشت، أرطو، غروتوفسكي، كانتور وغيرهم كان المسرح الأوروبي يشهد انقلابا فكريا وجماليا حقيقيا. ولكن المشارب التي استلهم منها عناصر هذا الانقلاب لم تكن في أوروبا (المركز) بل كانت في الأطراف والهوامش، حيث استلهم برشت الجماليات الصينية، وأرطو جماليات المسرح الباليني، وغروتوفسكي جماليات الزن وغيرها... لقد جاء التغيير من مجالات ثقافية وجغرافية لم يكن يخطر على البال أنها ستساهم في قلب الجماليات الغربية الكلاسيكية الموروثة منذ قرون غابرة. وأعتقد أن المسرح العربي، إن لم نقل الثقافة العربية برمتها تعيش مسارا مشابها، وتعيش دينامية قوية لمجالات ثقافية وجغرافية كانت مهملة إلى وقت قريب، وهي في تقديري أطراف العالم العربي شرقا وغربا، وهذه الدينامية مفتوحة على وتائر متصاعدة.

·       ولكنكم في صرختكم الاستعارية المنشورة في إحدى اليوميات المغربية والتي خلفت رجة نفسية لدى البعض، أعدتم التأكيد على مقولة الخواء في المشهد المسرحي المغربي...

 تلك الصرخة مرتبطة بسياق الزاوية الأسبوعية التي كنت أكتبها في تلك اليومية. وطبيعي أن زاوية أسبوعية حول المسرح ترتهن بأسئلة خاصة، وتحاول أن تضع اليد على مكامن النقص في تجربتنا المسرحية، ولهذا كنت دائما أحاول أن أصحح بعض ما كان يبدو لي نقط ضعف في مسرحنا، وربما هذا ما منح للزاوية نفسا سوداويا بعض الشيء. ولكن تلك الصرخة المتعلقة بخواء بعض تجارب المسرح المغربي لا تعني شطب ما يحققه المسرح المغربي الآن من إنجازات وتجارب على صعيد المسرح العربي. لقد بقي المسرح في المغرب على الدوام مستقلا عن الدولة، ولم يكن يوما مرهونا بإيديولوجيتها ولا بدعمها المباشر، وهذا ما وفر له حرية في الاختيارات الجمالية والفكرية. وأنت تعلم أن المسرح المغربي لم يبدأ في الاستفادة من دعم الدولة إلا مؤخرا مع الحكومة الاشتراكية في المغرب. والملمح الثاني في المسرح المغربي الآن أنه مسرح تصنعه أصوات شابة في معظمها، ولهذا فهو مسرح تجريبي بامتياز، يحقق طفرات حقيقية في مجال إنتاج الفرجة. إن هناك تجارب مسرحية مهمة لبعض الفرق مثل مسرح نون وفضاء اللواء ومسرح تانسيفت وغيرها، ناهيك عن تجارب مشهود لها مثل مسرح الطيب الصديقي وعبد الحق الزروالي وثريا جبران والطيب لعلج وغيرها من الأصوات التي تعتبر منتجا تقليديا للفرجة في المغرب. ربما يحتاج المسرح المغربي الآن إلى بنيات قارة للإنتاج، وإلى كم إنتاجي أكبر، ولكن علينا كذلك أن لا نخلق فرقا قارة تصبح إدارات فنية ومؤسسات لإنتاج الربح وليس الفرجة. فالفنان ليس موظفا في القطاع العمومي، وليس مستثمرا يجري وراء الربح بأي وسيلة، وتدني مستوى المسرح في بعض البلدان العربية بشهادة أهلها يعود إلى هذا، حيث فقد الفنان المسرحي استقلالية صوته وبحثه الجمالي.

·       شكلتم إطارا للبحث ونظمتم عدة ندوات محورية تهم المسرح كان الهاجس نقديا صرفا لكننا لاحظنا تجاهلا تاما من طرف وسائل الإعلام ، كيف يمكن قراءة هذا التجاهل ، علما أن المشهد الثقافي المغربي يعاني من قلة حضور السؤال النقدي المفكر في المسرح؟

*       الإعلام يحتاج إلى الأخبار الساخنة التي تثير الرأي العام، وليس ملزما بتتبع الأسئلة الفكرية العميقة. ولكن هذا يعني كذلك أننا في حاجة إلى منابر إعلامية فكرية متخصصة أكثر مما نتوفر عليه ونصدره بتضحيات رهيبة. وفي المسرح بالخصوص، نحن نحتاج إلى مجلة محكمة متخصصة لطرح الأسئلة وتفعيل التفكير المعلن في ظواهر المسرح العربي، كما نحتاج إلى مجلة للمتابعة المسرحية تتكلف بمتابعة العروض والمسرحيات واللقاءات والمهرجانات وغيرها من الأنشطة.

·       ألا زلتم تعتبرون تاريخ المسرح المغربي تاريخ مؤامرات حاكتها أيادي ما وسمتموها جيوب مقاومة ضد الأفق الذي ترتضيه حركيته السنوات الأخيرة؟

* المسرح ممارسة أدبية وفرجوية، ولكنه مؤسسة اقتصادية واجتماعية، إنه إنتاج فني، أي صناعة تتدخل في الشأن العام، بل إن انعقادها يشكل حدثا فنيا وثقافيا واجتماعيا وسياسيا كذلك. لهذا، لا يتوقف تطور المسرح على حركية إبداعية وسوسيوثقافية فقط، ولكن يتوقف بالضرورة على قرارات سياسية متعلقة بالشأن الثقافي والمسرحي. ولعله في هذا المستوى، يمكن فهم ما أسميته "المؤامرة" في تاريخ أية حركة مسرحية. "المؤامرة" ليس بمفهومها السياسي أو العسكري، ولكن بمعنى تقاطع مصالح أشخاص وجماعات وأنظمة بشكل يمنع تأهيلا حقيقيا للمسرح ويمنع من تقدمه وتجاوبه مع الفئات التي تتطلع إليه حقيقة. و "مؤامرات" من هذا النوع كثيرة في تاريخ المسرح العربي الحديث على الأقل، إن لم نقل في تاريخ الثقافة العربية. كانت المؤامرة الأولى هي التي تعرض لها أحمد أبو خليل القباني على يد الفقيه سعيد الغبرا، وهي مؤامرة بمعناها العسكري الحقيقي إذ نزل الباطل على الشيخ القباني حتى منعه السلطان من ممارسة المسرح مما اضطره إلى الهجرة والمنفى. ومؤامرة أخرى تعرض لها يعقوب صنوع حين نفي، ومؤامرات تعرض لها المسرح العربي وفاعلوه على صعيد تنظيماتهم وفرقهم وجمعياتهم. في هذا الصدد، نتساءل لماذا لم يكتب للمسرح المغربي أن ينعم بقانون ينظم مهنة الفنان إلا خلال سنة 2003 بعد أكثر من أربعين سنة من الاستقلال؟

·       في كتابكم بعنوان "قلق المسرح العربي"، تشيرون إلى رؤية دراماتورجية جديدة، ماذا لو حددتم لنا معالم هذه الرؤية الكفيلة بخلق هاجس التجاوز؟

* انطلقت هذه الرؤية من تفكير مستمر في صلب العملية الإخراجية وهويتها المتحولة مع تحول وتطور المسرح. نحن في المسرح العربي لا نفكر كثيرا في مهنه، وخاصة في الإخراج المسرحي ومواصفاته التي تتحول باستمرار، وتتحول معها العلائق بين المهارات والمهن الفنية. وقد كان بروز الدراماتورجيا في المسرح الغربي ووظيفة الدراماتورج نتيجة طبيعية لتطور المهارات المسرحية، وتحول مفهوم الإخراج مما كان يعني تطور فلسفة المسرح وجمالياته. كانت صورة مارون النقاش وهو يلقي خطبته قبل تقديم مسرحيته "البخيل" في بيروت تلح علي كثيرا، خاصة وأنه ضمنها رؤى نقدية متكاملة تعبر عن وعيه الدقيق بصناعة المسرح وخياراته الفكرية والجمالية وحتى الأخلاقية. وبدأت أفكر في العلائق الممكنة بين الإخراج المسرحي وبين النقد، فالأول لا يحتاج إلا إلى رغبة قوية وقدرة على صنع عالم متحرك له معنى على الخشبة، عالم مليء بالأحاسيس والمتع المعاني يشد إليه المتفرج. هذا أبسط تعريف للإخراج بعد نهاية نظرياته الكبرى التي هيمنت أواسط القرن العشرين في أوروبا. ومن ثمة، لا يمكن أن يتحقق الإخراج، بتعريفه هذا، وبمستتبعاته مثل دمج المهارات الفنية في بوثقة عرض واحد، إلا من خلال تسلح المخرج بوعي نقدي متميز يستطيع القبض على معنى داخل النص المسرحي ونشره من خلال عناصر الفرجة المشهدية. ومن جهته، لا يستطيع الناقد تأويل النص المسرحي دون تفكيك عناصره الجمالية والفكرية، وتجريد مكوناته شخصياتٍ وحواراً وفضاءاتٍ وغيرها مما يدخل في صلب اشتغال المخرج المسرحي. ومن ثمة، تتأسس هذه الرؤية الدراماتورجية على تداخل كثيف بين وظيفة المخرج ووظيفة الناقد، إذ المخرج ناقد بمعنى ما والناقد مخرج كذلك بمعنى من المعاني. ودليل ذلك أن الخلاف الذي قد ينشأ بين المؤلف والمخرج بسبب ما يسميه المؤلفون خيانة العرض المسرحي للنص المكتوب، هذا الخلاف قد ينشأ بين المؤلف والناقد حول معنى قد يمنحه الناقد للنص لم يخطر ببال المؤلف. وأعتقد أن هذه الرؤية الدراماتورجية تستطيع على الأقل راهنا أن توقف تلك المواجهة الخفية بين المخرجين والنقاد، والتي تتحقق دائما تحت عنوان ابتعاد النقاد عن احتراف المسرح وما ينشأ عنه من تعبه؛ ولكنها تستطيع أن تتيح لنا التفكير في المسرح العربي بأفق جديد يستطيع أن يؤسس لفلسفة جديدة لمسرحنا ولجمالياته ولخلفياته الثقافية والفكرية.

·       وآخر إصداراتكم؟

*       هو كتاب بعنوان "مسرح المغاربة" جمعت فيه عددا من تلك الزوايا الأسبوعية التي كنت أنشر في يومية مغربية، وكنت أتتبع فيها مستجدات المسرح المغربي. الكتاب رصف لعدد من تلك المقالات وأهمها وأكثرها انسجاما، ولكن أكثرها قدرة على تقديم صورة حقيقية عما يجري في المسرح المغربي الآن، وعن قضاياه الكبرى وهي لا تختلف كثيرا عن قضايا تلم بالمسرح العربي برمته. ولكن، الكتاب يقدم كذلك عددا من المقالات حول عروض مسرحية مغربية وهذا مهم في نظري من جهة أن متابعة العروض المسرحية في المسرح المغربي ضعيف للغاية، وأن تعرف المسرحيين العرب على الفرجة المسرحية المغربية ضعيف وواهن للغاية، ولهذا أضفت في نهاية الكتاب تغطية لعروض ومسرحيات المهرجان الوطني الأخير للمسرح المغربي عساها تقدم صورة ضافية حول المسرح المغربي.

·       والإصدار المقبل؟

تحت الطبع كتاب "البهلوان الأخير، أي مسرح لعالم اليوم؟" أتمنى أن يشكل إضافة إلى مكتبة النقد المسرحي العربية.

 


snaji04@yaoo.fr

الصفحة الرئيسية