حوار مع الدكتور سعيد الناجي

أنثربولوجيا المسرح العربي ما تزال خجولة

أجرى الحوار: الأستاذ وائل سليمان

عن شبكة المسرح العربي والعالمي

المملكة العربية السعودية

 

 

·        أولا وددت الحديث معك عن علاقة الأنثربولوجيا والمسرح...

نحن نعلم أن الأنثربولوجيا علم ظهر حديثا يختص بدراسة التشكلات الحضارية والثقافية للإنسانية، وقد انبثق عن ملاحظات وجهود الإثنوغرافيين والرحالة الأوروبيين الذين كانوا يجوبون العالم ويسجلون ملاحظاتهم عن الثقافات البدائية غير الأوروبية. وقد كانوا بهذا يمهدون ويساهمون في الحملات الاستعمارية التي تحققت بذريعة نشر تقدم الحضارة الغربية على "الشعوب البدائية المتخلفة". ولهذا بقيت الأنثربولوجيا علما منحازا للطروحات الاستعمارية، تؤكد على المركزية الغربية وعلى التفوق الغربي على العالم البعيد والبدائي، أي المتخلف في النهاية. وبعد هذا، برزت جهود أنثربولوجية عميقة هدمت نظرية التفوق الغربي، واعتبرت بأن الشعوب المسماة بدائية أو متخلفة هي شعوب تملك ثقافاتها وحضاراتها المختلفة عن الحضارة الغربية، وبل إنها تساهم في فهم حقيقة الحضارة الغربية. كما بدأت الأنثربولوجيا تهتم بالثقافات وتعبيراتها الفنية والفرجوية باعتبارها مسلكا لفهم التشكل الحضاري والثقافي للشعوب المتنوعة، وقد كان المسرح من بين أهم هذه التعبيرات الفنية.

·        وكيف تشكلت العلاقة بين المسرح والأنثربولوجيا وفق هذا التوصيف؟

المسرح من بين أقدم الفنون وأعتقها في تاريخ البشرية، وهو ليس كتابة لغوية أو نصية فقط، ولكنه جماع لغة وتقنيات بصرية وفضائية وجسدية، وبالتالي وجدت فيه الأنثربولوجيا متنا مهما لدراسة خصوصيات الثقافات الإنسانية من خلاله. وقد كان يعتقد أن المسرح الغربي الذي نبع في الحضارة اليونانية هو أصل المسرح في العالم، وبعد ذلك كان من الضروري تحطيم هذه الفكرة التي تعيد إلى الأذهان المركزية الأوروبية، واعتبار أن المسرح الأوروبي شكل من أشكال الفرجة التي تنتجها الثقافات والحضارات المختلفة. وقد قطع البحث الأنثربولوجي  شوطا مهما في المسرح الآن، حيث يستفاد من تاريخ الثقافات والحضارات في كشف أغوار الجسد المسرحي وسبر أغوار ذاكرته وطريقة اشتغاله على الخشبة، كما قطعنا شوطا في دراسة الفرجة والأشكال المسرحية عند مختلف الشعوب، والتي لا تتخذ من المسرح الغربي نموذجا لها مثل مسرح النو الياباني والحلقة العربية والسامر والكاتالاكي وغيرها من التعبيرات الفنية المستقلة، والتي لا تتبع بالضرورة الشكل المسرحي الأوروبي..

·        إذن هناك تبادل وتفاعل بين المسرح والأنثربولوجيا؟

وأكثر من هذا التبادل، فالأنثربولوجيا حين كشفت عن التعبيرات الفنية لمختلف الشعوب وفرت للمسرح الغربي خزانا من الجماليات والأساليب لتجديد نفسه وتغيير أساليبه. فمعروف أن المسرحي البولوني أوجينيو باربا الآن يتخذ من الأنثربولوجيا علما لخلق أساليب مسرحية جديدة، والتقرب من أسرار جسد الممثل. وقد بدأ هذا منذ القرن الماضي، فحين دعا غروتوفسكي إلى تحرير المسرح الغربي من وطأة قيود الحضارة الغربية التي تمارس ضغطا على التعبير الحر لجسد الممثل، وحين دعا أرطو إلى استعادة المسرح للغة الأحلام والتحرر من سلطة الكلمات واستثمار التقنيات والأدوات القديمة، إنما كان يدعوان إلى تجديد المسرح الغربي نفسه من خلال الاستعانة بالثقافات القديمة والنقية، هذه الثقافات التي وصفتها الدراسات الأنثروبولوجية الأولى ب "بالثقافات المتخلفة والدونية".

·        والمسرح العربي، ما موقعه من هذه الجهود الأنثربولوجية؟

أنثربولوجيا المسرح العربي ما تزال خجولة جدا، وفي أواسط القرن العشرين وقع النقد المسرحي العربي في فخ النظرية المركزية الغربية حين طرح السؤال: لماذا لم يعرف العرب مسرحا؟ مفتتحا بذلك النقاش حول تأصيل المسرح، ولكنه تأصيل بوعي وَفِيٍّ لمركزية المسرح الغربي، وكأنه كان لزاما على العرب أن يتبنوا المسرح اليوناني في ماضي ثقافتهم. وقد ضيعنا زمنا طويلا من النقاشات والسجالات التي لم تلق بالا إلى خصوصية الثقافة العربية، وبحثتت عن فهم سر ابتعاد العرب القدامى عن المسرح اليوناني. وقد كان حريا بنا أن نلتفت إلى طرح السؤال بوجهة مغايرة، ونعتبر أن الثقافة العربية لا يمكن قياسها بالمسرح الغربي، وبأن لها تعبيراتها  الفنية الخاصة بها، ولم يكن من الضروري أن نتساءل عن السبب وراء عدم معرفة العرب بالمسرح اليوناني. ونحن نشهد تطورا عميقا على مستوى تمثل هذه الإشكاليات، حيث تعتبر الجهود المغربية والمغاربية مهمة في مجال الربط بين الأنثربولوجيا والمسرح العربي. وقد ساهمت بتواضع في تعميق البحث الأنثربولوجي  في المسرح العربي مع ثلة من الباحثين، من خلال دراسات حول "قلق المسرح العربي" والمسرح العربي والمقدس" والتي من خلالها أطرح السؤال: ما هي التعبيرات الفرجوية والمسرحية التي عرفتها شبه الجزيرة العربية لحظة تشكل الثقافة العربية، أي بين زمن ما قبل الإسلام، إلى لحظة ظهوره، ثم خلال عصر التدوين؟ ويقود هذا السؤال إلى البحث في احتفالات العرب وفي مواسمهم ومبادلاتهم التجارية والدينية والفرجوية بشكل يكشف أن العرب، رغم تعرفهم على المسرح اليوناني من خلال العلاقات التجارية الكثيفة (الإيلاف) إلا أنهم امتلكوا تعبيرات فنية ومسرحية تمتد عميقا في معتقداهم، حيث كان  موسم الحج يشكل مصهرا لكل تلك التعبيرات الثقافية والفنية في شبه الجزيرة.

·        ولكن هناك نظريات تقول بالخصوصية الثقافية العربية ومن ضمنها الاحتفالية

أزمة الاحتفالية، وخاصة كما تقدم نفسها في المغرب، هي أنها ترفع شعارات ليس إلا، وتنادي بالخصوصية  دون أن تؤسسها على مرجعية علمية وفلسفية، ولهذا فنداءاتها تصب في نوع من التعصب للذات ومعاداة الثقافات الأخرى وخاصة الغربية. أما أنثربولوجيا المسرح العربي فهي ترفع رهانا علميا يتمثل في ضرورة إنتاج معرفة علمية بالطريقة التي كان العرب يحتفلون بها، وبالعلاقة بين أنظمة اللغة والدين والفرجة والمجتمع. إننا نطرح أسئلة عميقة تتوخى إنتاج المعرفة وليس رفع الشعارات، وهي أسئلة من قبيل: كيف كان العرب يحتفلون؟ كيف يصنع العرب فرجاتهم؟ بأية وسائل؟ وما هو موقع الجسد واللغة من ذلك؟ وإذا كان المسرح انبثق عن الاحتفالات الدينية، فما هي الأشكال الفنية وتعبيراتها التي تفتقت عن تجربة المقدس العربية منذ ما قبل الإسلام، وما بعده؟ وما هي بنية هذه الأشكال؟ ولماذا نجد الحلقة شكلا منتشرا ومهيمنا في الفرجات الشعبية على امتداد العالم العربي؟ مثل هذه الأسئلة وغيرها تهدف إلى إنتاج معرفة علمية بجوانب فنية وفرجوية في الثقافة العربية، وتحقق ذلك من أجل فهم أعمق لهذه الثقافة لكي تكون أكثر قدرة على الانفتاح والتبادل مع ثقافات أخرى من بينها الغربية. فالمسرح العربي الآن لا يمكن عزله عن باقي مسارح وثقافات العالم، بل إن تاريخ الثقافة العربية لم يكن يوما مسار عزلة وانحسار بقدر ما كان مسار تبادل وتفاعل.

·        لننتقل إلى جانب آخر يتعلق بموقع المسرح بين الهدف والوسيلة، فكلما كان المسرح وسيلة لزم علينا تحقيق الهدف من النص المسرحي لمعالجة مشكلة ما، بينما حين يكون المسرح غاية لذاته تبقى لذة التمتع بجمالية المسرح هي عدم الإشارة للهدف بوضوح في النص المسرحي ما رأيك في هذا الموضوع ؟

يتعلق الأمر بثنائية المتعة والفائدة أو اللذة والتعليم في المسرح، وهي مسألة قديمة ربما قدم المسرح نفسه. لما كان أرسطو يتحدث عن المأساة، ركز على جانبين الأول تطرق في إلى أساليب إنتاج المأساة من شعر وأوزان وموسيقى ونشيد وغيرها مما يوفر المتعة، والثاني تطرق فيه إلى  الهدف من المأساة وهو التطهير أو الكاثارسيس، إذ ينبغي تطهير المتفرج عبر الشفقة والخوف. وعبر تاريخ المسرح الطويل، لم تكد مسألة المزاوجة بين المتعة والفائدة تغيب، إذ كانت تطرح في كل السياقات والتجارب المسرحية. وفي المسرح الحديث طرحها المسرحي الألماني برتولد بريخت بقوة خاصة في مسرحيه التعليمي والملحمي. وهذه قضية تطرح دوما على صانع الفرجة المسرحية، مؤلفا كان أو مخرجا،  حيث يواجه هذا الاختيار الصعب: هل يبقى وفياً لتحقيق غاية وتأدية رسالة، أم يجنح نحو إنجاز فرجة جمالية محضة ربما لا يكون لها معنى. وفي التجارب المسرحية التي تتبنى المسرح السياسي أو التحريضي يعطى الاهتمام لرسالة المسرحية وغاياتها، وفي تجارب أخرى يمنح الاعتبار لإنتاج المتعة. والمسرح العربي وقع تحت وطأة هذه الثنائية بشكل قاس ومثير، لأنه جاء في لحظات تاريخية صعبة كان مطلوب منه أن ينخرط في تأطير الجمهور خاصة بعد نكسة 1967، ولهذا هيمن الصوت السياسي على الصوت الجمالي. ولكن حتى برتولد بريخت الذي أثر كثيرا في المسرح العربي كان يطمح إلى تحقيق نوع من التوازن بين اللذة وبين الغاية، بين المتعة وبين التعليم. ولهذا كان يتبرم ممن كانوا يفهمون نظريته على أنها دعوة إلى مسرح ذي رسالة سياسية فقط، ويلغون من حسابهم المتعة المسرحية. وفي تقديري، لا يمكن أن نقتصر في المسرح على وظيفته التعليمية فقط إذ سيصبح عبارة عن أطروحة تربوية، ولا يمكن أن نبحث عن المتعة بدون معنى لأن الأمر سيصبح بهرجة فارغة من أي معنى. المسرح في تقديري فن يرقى بالإنسان، يوفر له متعة لا يجدها مكان آخر، ويرقى بفكره وأخلاقه إلى مستوى عالي، ولهذا لا بد من النظم بين المتعة والفائدة.

·        لنتحدث عن  المسرح والأدب حيث نلاحظ في  بعض البلدان العربية وجود فجوة بين المسرحي والكاتب المسرحي الأدبي الذي تقوقع على نفسه مبتعدا عن عالم العروض المسرحية والمهرجانات التي تضم فئات المخرجين والممثلين وارتضى بمسرحياته التي تصدر من زاوية مكتبه متنقلا بينها وبين تلك المطبعة التي تصدر كتبه الأدبية ؟؟؟

أعتقد أنه ينبغي أن نميز بين مجال الأدب المسرحي وبين مجال العرض المسرحي أو الفرجة، وهما مجالان مستقلان عن بعضهما البعض، ولكن تتأسس بينهما علاقة تبادل وتفاعل. ربما كان نشوء المسرح اليوناني داخل المهرجانات المسرحية دفع إلى الربط دوما بين النص المسرحي وبين عرضه على الخشبة، ولكن تاريخ المسرح تطور في اتجاهين، أدبي وفرجوي، اغتنى بهما المسرح كثيرا. وبعبارة أخرى، فمن المهم جدا أن نملك تراثا مسرحيا أدبيا مكتوبا قد لا يجد سبيلا إلى الخشبة، ولكن علينا ألا نعزل الكاتب عن حركة المسرح الحقيقية. وفي المسرح العربي نملك نماذج جلية لهذا الغنى المسرحي الأدبي، فتوفيق الحكيم لم يكن يفكر في عرض مسرحياته، بل إن مسرحه الذهني يعتمد على القراءة ويهدف إلى خلق المتعة من خلالها فقط. وبفضل هذا توفر لنا تراث مسرحي غني، إذ يعتبر توفيق الحكيم من كبار كتاب المسرح في العالم المعاصر. ولكن هذا لم يمنع من وصول مسرحياته إلى الخشبة مما شكل غنى إضافيا. وبالمقابل، نلاحظ في بعض التجارب المسرحية، كما في المغرب مثلا، هيمنة فكرة أن الكاتب المسرحي يجب أن يكون مرتبطا ولصيقا بالفرق المسرحية وعروضها، وبأن الكتابة المسرحية يجب أن تتحقق في أفق العرض المسرحي فقط، فأصبح أغلب المخرجين يتحولون إلى كتاب مسرح، وهيمن الإعداد الدراماتورجي على التأليف المسرحي، وبرز نقص في مؤلفي المسرح، أي كتاب الأدب المسرحي.

·        ولكن ما سبب هذه الفجوة، وما هي العوامل التي قادت إليها؟

سببها فكرة برزت مع عصر المخرجين منذ نهاية القرن التاسع عشر في أوروبا مفادها أن الأهم في المسرح هو العرض المسرحي وليس النص، حيث لكي يثبت المخرج المسرحي أحقيته في السلطة الإبداعية في المسرح، وبسبب الخلافات التي نشأت بين المؤلفين وبين المخرجين حول الغييرات التي يحدثها الإخراج  في النص المسرحي، بدأ المخرجون يعمدون إلى الترامي على الكتابة وعلى اقتباس نصوص، بل أكثر من هذا، برزت فكرة أنه بالإمكان إنجاز عرض مسرحي من أي نص ممكن، حتى إذا كان دليل الهاتف. لقد كانت بعض الاتجاهات التجريبية تدعم هذا الطرح في أوروبا من أجل التمرد على سلطة النص الكلاسيكي الذي هيمن زمنا طويلا على المسرح الأوروبي. وللأسف انتقل هذا التمرد إلى المسرح العربي دون أن نتوفر على نفس تاريخ المسرح الغربي ولا على تراكمه التاريخي الطويل. أي أخذنا بقوة التمرد على النص الكلاسيكي دون أن نتوفر على نص كلاسيكي حقيقي، ودون أن نملك الخمسة وعشرين قرنا التي يملكها المسرح الغربي. فأصبح المخرج المسرحي يبتعد عن المؤلف، ويعتقد أن المسرح هو شغل خشبة وفرجة ليس إلا، وبإمكانه تعويض المؤلف. وهكذا، خلقت فجوة بين المؤلف والمخرج دون أي مبرر، مما قاد إلى فقر درامي رهيب في عدد من العروض المسرحية، التي راهنت على الإمتاع البصري والجمالي دون عمق درامي. وأعتقد أن دور النقد المسرحي والبحث المسرحي الجامعي أن يعيد هذه العلاقة إلى توازنها باعتبارها علاقة سوية بين مؤلف ينتج الخيال الدرامي وبين مخرج ينتج العرض المسرحي.

 

·        يقودنا هذا للحديث عن المسرح الجامعي ما موقعه، وما هو دوره ؟

دور المسرح الجامعي مهم للغاية من حيث وقوفه في منزلة بين المسرح الاحترافي ومسرح الشباب أو الهواة. هذا المسرح هو الذي يلهم المسرح الاحترافي ويمده بطاقات فنية مكونة جماليا وفكريا، كما من أنه من جهة أخرى يساهم في تكوين الجمهور وتربيته على الفرجة الجمالية الراقية، لأنه مسرح لا يرتهن بإكراهات الإنتاج والضغوطات المادية. وفي بعض بلدان العالم العربي نجد المسرح الجامعي أقوى بكثير من المسرح الاحترافي وأكثر قدرة على التجريب والابتكار، لأنه يجمع بين البحث المسرحي النظري والتطبيقي، ويربط فلسفة المسرح بالبحث التجريبي. ولهذا، فعدد كبير من كبار مخرجي المسرح في العالم تخرجوا في الجامعة. والمسرح الجامعي في العالم العربي بصحة جيدة، دليل ذلك أن محترفات المسرح بعد أن كانت حكرا على كليات الآداب والفنون أصبحت موجودة بقوة في جامعات ذات تخصص عملي مثل كليات الطب وكليات العلوم والتقنيات والتكنولوجيا وغيرها. وهذا يعني أن المسرح أصبح يشكل نقطة استقطاب قوية على صعيد فئات الشباب، وينبغي الاستفادة من هذا القدرة على الاستقطاب لتغذية حركة المسرح العامة.

·        ولكن الملاحظ أنه سواء في المسرح الجامعي أو في المسرح الاحترافي، بعد إنتاج المسرحية بكل تفاصيلها، لا تصل الفرق إلى تقديمها بما يكفي، وتجد صعوبة أكبر في توصيلها إلى أنحاء العالم العربي، فما هو دور الإدارة المسرحية وأهميتها في نجاح العمل ؟؟؟

الآن وضعت يدك على نقطة ضعف مهمة في المسرح العربي، خاصة في البلدان التي لا تملك مؤسسات وبنيات إنتاج مسرحي قارة وقوية. فإنجاز المسرحية جزء شاق ومتعب، ولكن توزيعها على الجمهور في القاعات والمسارح والمهرجانات واللقاءات، وإقامة جولات لها في الأنحاء والجهات، هو الجزء الآخر والأهم كذلك، إذ لا جدوى من إنتاج مسرحية لعرضها في قاعات شبه فارغة دون القدرة على إيصالها إلى أكبر عدد من المناطق والمسارح والمهرجانات. ومن خلال تجربتي، لاحظت أن المسرح السعودي والمغربي يشتركان في هذا الوهن، ويجدان صعوبة في إدارة المسرح إدارة تسمح بإيصاله وبتوزيعه. فنحن ما زلنا نناضل كي نستقطب الجمهور، في حين تروم الإدارة المسرحية استقطاب الجمهور لكي يساهم في تمويل المسرحية عبر التذاكر، أي أنها تقصد تحويل المسرحية إلى منتوج مدر للربح أو لتكاليفه فقط، وهذا مهم في المسرح، لأن من الأمراض الحقيقية التي نعاني منها هي مجانية المسرح. وأعتقد أن معاهد التكوين المسرحي ملزمة الآن بفتح تخصصات في الإدارة المسرحية والثقافية بشكل عام.

 

·        أنجزت مؤخرا مسرحية "بائع الدموع " من تأليفك وإخراجك في إطار المسرح الجامعي بفاس، ماذا عن هذه التجربة؟

مسرحية "بائع الدموع" مرهونة بسياق موضوعي وذاتي، أما السياق الموضوعي كان هو تأسيس محترف للمسرح الجامعي بفاس بالمغرب وتنظيم مهرجان فاس للمسرح الجامعي الذي يصل هذه السنة لدورته الثالثة، وكان حريا بنا إنتاج مسرحية تصاحب هذه المبادرات، أما سياق المسرحية الذاتي كان هو العودة إلى ممارسة المسرح تأليفا وإخراجا بعد مدة انقطاع بسبب كثرة الالتزامات. لقد كنت دوما أحرص على الجمع بين البحث المسرحي والنقدي وبين ممارسة المسرح وإبداعه، فكل جانب يلهم الآخر وينير دربه. وعلى العموم يسمح لي الإبداع المسرحي بقول ما لا أستطيع قوله كبر الدراسات والكتابات، والعكس صحيح، حيث يكون النقد جسرا للتعبير عن أفكار، والإبداع جسرا للتعبير عن رؤى وإحساسات. وبصراحة، فاللحظات التي أقضيها مع الممثلين، نقرأ النص ونعيد صياغته، ونجري البروفات والتداريب، نعيدها مرات ومرات، حيث تمتزج لحظات التعب بلحظات الفرح، دون التفكير في حسابات الربح والخسارة، كل هذا يخلق متعة لا حدود لها، وذلك هو سر المسرح...


snaji04@yaoo.fr

الصفحة الرئيسية